محمد أبو زهرة

2116

زهرة التفاسير

وقد ذكر ابن جرير الطبري ما يصور أنه مقالتهم ، فقال : « قالوا لجماعة بني إسرائيل : إن الأرض مررنا بها وجسسناها صالحة رضيها ربنا فوهبها لنا ، وإنها لم تكن تفيض لبنا وعسلا ، ولكن افعلوا واحدة ، ولا تعصوا الله ولا تخشوا الشعب الذين بها ، فإنهم جبناء مدفوعون في أيدينا ، إن حاربناهم ذهبت منهم ، وإن الله معنا فلا تخشوهم » . ويظهر أن هذه العبارات مصدرها إسرائيلي ؛ لأنها تتقارب مع نصوص التوراة التي بأيديهم ، ومهما تكن صحة النسبة في هذه الأقوال ، فإن الآية الكريمة لها مدلولها بعباراتها التي حكاها سبحانه وتعالى عنهم ، فإن معنى قوله تعالى : ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ أي فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ، ادخلوا مفاجئين لهم فاتحين عليهم الباب ، فإنهم عندئذ يصيبهم الذعر ، وتأخذهم الفجاءة ، ويتحيرون ، فتأخذهم السيوف ، وتكونون أنتم الغالبين ، وفي العبارة ما يفيد تأكيد الغلب ؛ لأنه عبر عن الغلب بالجملة الاسمية ، وإن التي تؤكد القول . ولا شك أن غزو قوم في دارهم فجاءة يؤدى إلى هزيمتهم ، ولقد قال في ذلك بطل الحروب علي بن أبي طالب : « ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا » . وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قوة النصر تعتمد على أمرين : أولهما - عمل حاسم وعزم أكيد ، وثانيهما - تأييد من عند الله ، وتوكل عليه وتفويض إليه ، وقد بين الرجلان كما حكى سبحانه عنهما العمل الحاسم ، وهو الدخول المفاجئ ، والثاني هو التوكل على الله تعالى وحده حق التوكل ، وألا يعتمد على أحد سواه ، وألا يرجى النصر إلا منه ، ولذلك قدم الجار والمجرور في قوله تعالى : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا أي على الله وحده توكلوا أي هو وحده النصير : . . . وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) [ آل عمران ] . وإن التوكل الحق لا يكون إلا من قلب مذعن مؤمن بالله مخلص له ، مجيب لما يأمر وينهى ؛ ولذلك قرن التوكل بقوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .